ابوجبيهه

جمهورية مالي... ديمقراطية الكوكا كولا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

جمهورية مالي... ديمقراطية الكوكا كولا

مُساهمة من طرف محمود منصور محمد علي في 18th فبراير 2014, 12:30

الازمنة 304
نشر مونتاغا فانه كانتيكا مقالاً على موقع ألتر أنفو الفرنسي, اليساري التوجه, مؤرخ في يوم السبت 21 نيسان, لخص فيه عمق مأساة الشعوب الإفريقية التي ناضلت وقدمت الكثير من التضحيات لتتخلص من المستعمر الأوروبي, وعندما نالت استقلالها تباعاً ابتليت بأنظمة تمّ إعدادها مسبقاً في مطابخ المستعمر نفسه, وعندما ثارت على أنظمتها الظالمة, قدم لها وجبة جاهزة من ديمقراطية مزيفة, أكثر سوءاً مما سبقها. يقول:
لو رغبت الإمبريالية الغربية في تحطيم الدول الإفريقية الناشئة لكان لها ذلك بمنتهى اليسر والسهولة. لكنها فضلت إماتتها بالسم البطيء عبر التحول نحو ديمقراطية مزيفة من شأنها أن تزيد في حدة الانقسامات القبلية والمذهبية, وتشيع الرشوة والفساد الحكومي, بدلاً من أن ترسي قواعد العدالة الاجتماعية والمساواة, كما تحلم كل الشعوب. وهذا ما حصل.
ولكي نقف عند مالي كمثال على الديمقراطيات الإفريقية الجديدة المضحكة, فقد أكد لي الكثير من المواطنين هناك أن "الديمقراطية" الجديدة لم تترك شيئاً إلا وأصابته في مقتل. يكفي أنها قوّضت كل شكل من أشكال الدولة, وفتت اللحمة الاجتماعية التي كانت أهم دعائم التكافل المجتمعي. لقد أسست لصنف جديد من الديكتاتورية القائمة على الكسب غير المشروع. الأمر الذي أدى إلى تبلور أنانية مفرطة في مفاخرتها بنهب البلاد وتحويلها إلى دولة فاشلة. هنا لابد من الإشارة إلى أن الخطر المحدق الآن بمالي, لا يأتي من المتمردين الطوارق, ولا من الإسلاميين المتشددين, بقدر ما يأتي من احتمال انفجار اجتماعي شامل قد يأخذ أشكالاً متعددة, ومأساوية في نفس الوقت.
خراب ديمقراطية الكوكا كولا
الديمقراطية, كما يقول الرئيس التنزاني الأسبق يوليوس نييرير, لا تستقيم إلا عندما تأتي منسجمة مع التاريخ والثقافة ومستوى التطور بشكل عام في البلد, ولا يمكن في أي حال تقديمها كما تقدم زجاجة كوكا كولا. لكنهم يقدمونها فعلاً للشعوب المتعطشة للديمقراطية ضمن زجاجة كوكا, تماماً كما قُدم السمّ لسقراط كي يتجرعه.
هذا ما حصل بالضبط لمالي مؤخراً. فلكي تحصل على مساعدات مالية, اشترط ديكتاتوريّو النظام المالي العالمي (حلف بريتون وودز) القيام بإصلاحات ديمقراطية وفق منهج محدد. لقد هوَت مالي منذ ذلك التاريخ نحو منحدر خطير جعل بعض النخب المثقفة تترحم على فترة الديكتاتور الجنرال موسى تراوره, الذي حذر في ذلك الحين من محاولة إلباس مالي بالقوة ثوباً لا تطيقه.
وفي الواقع, تكمن مشكلة مالي في التطبيق الشكلي للديمقراطية. فبدلاً من أن تكون ديمقراطية اجتماعية تخفف من وطأة حياة أوسع شرائح المجتمع المالي الفقير, هبطت فجأة بمظلة دون أي استعداد مسبق لتقبلها, وبأسوأ شكل من أشكال الإدارة, المتمثلة بديمقراطية اقتصاد السوق الليبرالي المستوحى من أبشع الليبراليات الغربية المتوحشة, التي نرى بأم أعيننا آثارها المدمرة في مواطنها الأصلية في الغرب الذي يملك بنية تحتية وثقافية منسجمة معها, فكيف ببلد مثل مالي لم يعرف إلا الحكم المطلق والفقر المطلق طيلة عقود من الزمن؟
المؤسف في الأمر أن المثقفين في مالي, الذين كانوا أول المتضررين من هيمنة حكم الحزب الأوحد, سرعان ما غيروا لون قبعاتهم, فصاروا من أكثر المروجين والمدافعين عن هذه الديمقراطية الليبرالية المزيفة التي قدمها لهم الغرب بأغلفة مزركشة وبراقة, فانخدعوا بها عن حسن نية, أو انخرطوا فيها عن سابق إصرار ومعرفة, لأنهم وجدوا فيها مصالحهم الضيقة. وهكذا بدأت تنشأ كل يوم الأحزاب السياسية (تحت شعار التعددية) التي يطالب بها الغرب, كما تنمو الفطور, بدون أي مضمون سياسي أو فكري, ينتج حراكا ًحقيقياً, فغدت هذه الأحزاب مجرد تجمعات قبلية ومذهبية ومناطقية تدافع فقط عن مصالح الأفراد الذين أسسوها, فنمت بموجب هذا التشوه في البنية السياسية الجديدة للبلاد, طبقة برجوازية وسيطة (كومبرادورية) سدنتها من الأثرياء الجدد, الذين نهبوا البلد من خلال عمليات الخصخصة التي بيعت بموجبها كل شركات القطاع العام بحفنة من الدولارات بموجب مزايدات مغشوشة, وآلت إليهم دون عناء.
ما كان لكل هذه الجرائم أن تحصل لولا تواطؤ الكثير من الشركاء الغربيين مع هذه الطبقة الفاسدة التي تحكم باسم الديمقراطية ونتائج صناديق الاقتراع المفبركة والمغشوشة بمباركة المؤسسات الأوروبية والأمريكية التي تتبجح بأنها تراقب الانتخابات عن كثب في كل مرة دون أن تسجل حادثة غش واحدة.
لقد سجلت الكثير من الاختراقات المخزية, ليس على صعيد المسؤولين في مختلف المناصب في مالي, بل على المستوى الرسمي لبعض الحكومات الغربية التي أعلنت رسمياً عن صرفها لمساعدات مالية للشعب المالي بمئات ملايين الدولارات, وبالتدقيق والوثائق, توصلنا إلى كشف حقيقة هذه المساعدات الخلبية التي لم تطأ أرض مالي قط, ولم يستفد منها الفقراء بشيء, بل كانت مجرد تحويلات مصرفية من حساب حكومة في إحدى الدول الأوروبية, إلى حساب حكومة مالي في أحد مصارف تلك الدولة, ثم تنتقل هذه الأموال بعد أيام إلى جهات ثالثة غير حكومية بحجة تمويل مشتريات إغاثية أو مشروعات تنمية للشعب المالي, مشفوعة بفواتير وهمية, وبوالص شحن خلبية, ثم تتبخر الأموال وتذهب لجيوب بعض المتنفذين في الحكومة المالية ونظرائهم في الحكومة الغربية المانحة.
الأثرياء الجدد
معظم أبناء المسؤولين إن لم نقل كلهم في ظل ديمقراطية الكوكا كولا, هم رجال أعمال كبار, يستحوذون على كل مصادر ثروات البلاد, موظِّفين مواقع آبائهم الوظيفية في القفز على القوانين واستصدار ما يلزم منها إن اقتضى الأمر ذلك, يتنافسون فيما بينهم كما تتنافس عصابات المافيا في الغرب, الأقوى يزيح الأضعف من طريقه بكل الوسائل الممكنة, بما فيها العنف والتصفيات الجسدية, التي قد يذهب ضحيتها في الصراعات الكبرى العشرات من الأبرياء.
كل ذلك يجري تحت أنظار الغرب الذي يتشدق بمباركته لتطور الديمقراطية في مالي ويسعى لتعميم نموذجها على دول الجوار وربما باقي دول الاتحاد الديمقراطي, بهدف نسفها من الداخل, وخير مثال على ذلك ما جرى وسيجري لاحقا في ليبيا التي دخلتها ثقافة ديمقراطية الكوكا كولا, ولن تخرج منها إلا بعد أن تتفسخ ليبيا بمشكلاتها وتناقضاتها الاجتماعية التي سوف تمنعها رغم ثروتها النفطية الهائلة قياسا إلى عدد سكانها المحدود من إنجاز حتى مجانية التعليم والقضاء على الأمية والجهل والمرض والفقر.


<br>

محمود منصور محمد علي
مشرف المنتدى العام و مصحح لغوي
مشرف المنتدى العام و  مصحح لغوي


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى