ابوجبيهه

من روائع الصوفي الدكتور أحمد عبدالعال

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

من روائع الصوفي الدكتور أحمد عبدالعال

مُساهمة من طرف خدورة أم بشق في 3rd أبريل 2015, 07:50



في جامعة الصُّور

لا شيئ هناك غير الصُّور.. صُور فـتوغرافية ، ملونة ، أو بالأبيض والأسـود ، صُور زيتية، صور بألوان مائية، أو صور مرسومة بمختلف الأقلام. الصور لشخصيات من عصور شتي . رجال دين ، رحالة من الشرق والغرب ، مصلحون إجتماعيون ، قضاة ، شعراء ، جنود محاربون ، علماء طبيعة ، فلاسفة ، رسامون ، متصوفة وموسيقيون ، مخترعون بجانب مخترعاتهم ، نجوم ونجمات سينما ، دجالون عالميون ، رؤساء دول متعاقبون كتعاقب الليل والنهار ، حكام برقابهم الطويلة تحت المقاصل ، حكام أردتهم زخات رصاص مسددة في ثبات ، خطباء وعرّافات عالميات ، والآلاف الآلاف من الصور لأناس عاديون من الرجال والنساء لا يعرف المشاهد عنهم شيئاً ، إلا أن عيونهم كانت تنبئ دائماً بمسرات أو بفواجع طبعت ضمائرهم في تلك الأزمنة التي كانوا بعضاً من أهلها . ثم تلتحق بهذه القاعات العجيبة ً قاعات أخري مخصصة لصور حيوانات معروفة وأخري منقرضة ، أو غير معروفة أصلاً ، وقد تطالعك صور لحشرات مكبرة آلاف المرات



في حديقة التماثيل
إعتاد القائمون علي أمرها تبديل أوضاع التماثيل بين حين وآخر ، مما زاد في غرائبية الأوضاع عند هبوط الظلام . ذات مرة دخلتها كعادتي ليلاً ، ويبدوا أنهم قد بدّلوا في الأوضاع أكثر مما ينبغي . وجدت تمثال الرجل ذي القبضة الحديدية المرعب يقف قبالة تمثال لطفلة تحمل ورداً ورغيفين ، وعلي مقربة منهما تمثال الرجل ذي الضربة الطائشة يكاد يهوي بمعوله علي رأس تمثال لرجل عجوز يتوكأ علي عصا . فوضي ضاربة لا تنم عن منطق أو ذوق سليم . . أعدت نظام أوضاع التماثيل من جديد ، إجتهدت في وضع تمثال العجوز المتوكئ علي العصا بجانب تمثال الصبية حاملة الورد والرغيفين . إنتهيت من هذا الصنيع في ساعة متأخرة من الليل فجلست لأخذ قسطٍ من الراحة أتأمل التمثالين في علاقة وجودية جديدة .

الدَّراجة

بعض الناس مفتوحي العيون في ذلك الصباح صعقتهم الدهشات المتعاقبة . عـودة نشاطه القديم ، وسرعة الإنطلاق الرهيب . لكن بعيونهم التي في رؤوسهم رأوا الرجل بدراجته يُقلع من الأرض إلي سماء المدينة !! رأوه في الأجواء متوجهاً إلي الأفق الشرقي ، وثيابه حائلة الألوان منفوخة مملوءة بهواء الصباح . رأوه مستغرقاً بالكلية في قيادة دراجته لا يشغله شيئ عن يمين أو يسار ، ولم يبق منه شيئ خارج ذلك . كلهم قد سمعوا في تلك اللحظات المدهشة بعضاً من أماديحه وبعضاً من أغانيه وكلماته المتفلسفة . سمعوا كل ذلك مُكَبّراً آلاف المرات والصدي يتردد في جنبات عاصمة البلاد . ظل الرجل منطلقاً في الأجواء حتي غاب رويداً رويداً كنقطة صغيرة متحركة في الأفق الشرقي للمدينة

مواجع النسِّر العجوز

عندما إنتصف النهار ، كانت الريح قد أبتعدت تماماً عن الجبل . حرك النسر العجوز جناحيه يمنة ويساراً ، إلتفت يودع عرشه القديم لآخر مرة . ثم إنقذف في الجو كما تنقذف صحيفة قديمة مهترئة في فراغ عريض ..
إلتفت إلي الجانب الشمالي من الوادي ، بدأ مشهد النهر الفتي ينساب في هدوء وجلال ، ولكن سرعان ما شد إنتباه النسر شئ آخر في الآفق .. عاصفة دكناء هوجاء مهولة ، يتفجر قلبها رعداً وبرقاً ، عاصفة لم ير مثيلاً لها طيلة حياته في الأجواء . وتمتم النسر العجوز .. يإلهي ما الذي جعل الريح ترجع مبكرة علي غير عاداتها ، وما الذي لاقته في رحلتها اليومية لتعود في مثل هذا الغضب المنكر ؟ هل أخطأ في حساباته ؟ .. وقد أعد لكل شئ عدته . في لحظات سريعة خاطفة طافت بذهنه حكايات النسور الأجداد ، النهر الفتي ، الغزال الغر ، وتلك الوقفة المهيبة علي عرشه الصخري علي قمة الجبل ..
كان النسر في الجو علي بعد أمتار من الصخرة . حاول الرجوع والهبوط عليها مرة أخري ، لكن للأسف كانت طلائع العاصفة المزمجرة قد أدركته . جذبته جذبة أُلي فهدت ما تبقي من قوة بالجناحين .. ثم جذبته جذبة ثانية فطوحت به إلي الجانب الغربي من الجبل ..
حقيقة ، حاول المستحيل مستجمعاً كل مهاراته ، مستنجداً بحكايات النسور الأجداد في مواجهة المواقف المشابهة ، لكن كان كل شي قد إنتهي ، لم يسعفه شي .. الريح في غضبها العارم لم ترع له رفقة قديمة طويلة . جرجرته متقلباً ، مطوحاً إلي قلبها القاسي ، حيث ينبلج البرق ويزمجر الرعد ..
سكنت العاصفة من بعد حين وعادت الريح لتأخذ سنة نومها اليومي في الكهف الكبير ، وكان العرش الصخري خالياً في مساء ذلك اليوم الحزين ..



جمعية المنتفعين بنومِه
وبدأ الإلحاح من مئات المكدودين أو الطامعين في الزيادة ، بل وممن لا يعرفهم مطلقاً . بعضهم يزوده بصورته الفتوغرافية الملونة واضحة الملامح ، وبعضهم يزوده بسيرته الذاتية بتفاصيلها الدقيقة ليستظهر كل ذلك في عقله الباطن قبل النوم ..
والحال كهذا إضطرب نظام الحركة والمرور في الشوارع المحيطة بالمصلحة . إزدحام ومنامات وباعة شاي وسندوتشات وخلافات بين المنتظرين القادمين من شرق البلاد وغربها .
أصبح الرجل مكدوداً أكثر من ذي قبل ، لكن لم يـحدث مطلقاً أن رأي حلماً لنفسه هو شخصياً ، كل الأحلام وحصادها الوفير لغيره من الناس . حاول المستحيل لكن بالطبع ما كان الأمر بيده . وفرِّخت الأحلام وإزدهرت حـيـوات ، وسـرعـان ما تأسست جـمعـيـة حـقـيقية بأسم ( جمعية المنتفعين بنومِه ) .



سيرة ذاتية لحجر
جاء بعض الظامئين وحفروا بئراً عميقة هناك ، إبتردت بالماء في قعر البئر ، وكنت أرقب حركة الدلاء الطالعة النازلة . لكن ذات صباح صحراوي مستطير الشر ، ألقي بعضهم بصبي في قاع البئر . كان الصبي جميلاً ، رحماني الفؤاد صابراً
سمعت مناجاته البريئة العارفة . كان من ألطاف وجوده بقربي في قاع البئر أن إنفتح علي عالم الرؤيا والتنبؤات . حلمت بالسنين القادمات . عرفت مواقع ومصائر كل الحجارة في هذا العالم . رأيت القلاع العتيدة التي سوف تُشاد ، رأيت القصور والجسور وأبـراج الأسمنت المسلح شرقاً وغرباً ، رأيت الحجارة سلاحاً جباراً في أيدي أطفال مباركين مؤمنين ، وقد عزّ النصير .

العرش الذي إرتفع فجأة
في هذا الصباح نحن علي موعد مع الملكة بلقيس ملكة سبأ وعرشها الذي أعدنا تنكيره خصيصاً لهذا العرض ، في هذا الصباح نحن علي موعد تلتقي من أجله حقائق الزمان بحقائق التكنولوجيا المعاصرة وأكثركم علي علم بحقائق البث الصُوري من محطات إرسال أرضية أو محطات إرسال من أقمار صناعية طوَّافة في فضاء الدنيا الفسيح . لكن الحقـيقة الجوهرية تظل واحدة . لقد إنشغلت أجيال من علماء المسلمين بمشكل الصورة وإنتقالها بين عالمي الغيب والشهادة . ومن تجربتي الشخصية أقول هي قضية العيان الماثل بإزاء صورته المثال . ولا يكون المثال ولا يتحيز ولا ينتقل إلا بسلطان من العلم . هذا العلم قد يكون عِرفاناً يطوي في ثناياه عمر العارف كله ، وقد يكون علماً من علوم الحساب ويجد سبيله إلي التطبيق عبر الوسائط المادية من معادن وسوائل وسوي ذلك . ومن المؤكد أن أبعاد الصورة المثال في العالمين تختلف من حيث المستويات الظاهرة والباطنة . أيها السادة إذن الذي نحن بصدده اليوم هو بث يستجيب لتلك الخصيصة الأولي ، خصيصة الخفاء في العوالم الموازية ، فالأبعاد هنا أبعاد ذات صلة بالمكان والزمان والمشاعر ... في صورة مُجَسَّمة هي أقرب إلي مادة الأحلام .
أيها السادة بعد لحظات نشهد جلوس أمرأة علي عرشها وقد تسلل إيقاع زمانكم إلي ثنايا ردائها القشيب وأعطافه ، سيتوهج كل شئ فيها وعليها تحت ضوء شمس بلادكم .
بعد قليل سينهد صرح الزمان وتخطر بلقيس خارجة من أحلام النساء والرجال في عـصركم هذا ، وستدخل من البوابات السبع في آن واحد ، فلا تزيغ أبصاركم سُدي ، وليبصر كل منكم من زاوية النظر التي هو ناظرمنها ، وسترون توحُّد شخصها في أوانه عند العرش في قلب الساحة



دمعة في عين خيال
عصف به الحنين إليهم لكن دون طائل . عين خياله أمست مغمضة الجفن لا تقوي علي ذلك الطواف القديم ، وما عاد كل الذي مضي ممكناً بعد ذلك اليوم الذي عزم فيه علي الرحيل ، ظل بقية عمره هناك أسيراً مثقل الضمير بالعذاب ، يتحاشي النظرات اللائمة في كل مكان .
هواية بريئة إستدرجت هذا الرجل الهادئ الطيب إلي حيث لا يعلم ، وما عليه إلا أن يصبر صبراً جميلاً ، وأن يدفع ثمن جريرة تعديه – دون علم منه – إلي منطقة عالية الحساسية في العقل الجمعي لأهل مدينته وأطرافها القصية . نعم سيظل كل شئ طي الكتمان إلا ما تبوح به عيونهم في الطرقات والمحال العامة ، ذلك الشأن الذي يعرفه هو وحده



هذا صِراط الجمال يا زينب
مّر خريف وأعقبه صيف . كرت السنوات تصدعت تلك الدار ثم إنمحت رسومها من علي الأرض . نسي الناس القصة بأكملها ، بل كثيراً ما كانوا يعبرون بدوابهم ومركباتهم بأرض تلك الدار القديمة حيث ما زالت بعض أشجار السنط المهمرة قائمة تري وتسمع كما كان دائماً شأنها . ثم تحول ذات الموقع إلي سوق كبيرة تضج طرقاتها بأصوات الباعة وأبواق السيارات ، وتغرق تلك السوق في أضواء النيون ليلاً حيث تتنافس لافتات الإعلان الضخمة الباهرة .
قلة من أفراد الجيل السادس ظلت تترقب عند الفجر ظلاً لغزال يعدو بين الماء والخضرة علي تلك الربي



جنتان مُدهامتان
هما في غاية الإتزان والوقار الجميل ، والناس من حولهما في غاية الإرتباك مما يسمعون ويشهدون من حالهما .. ولا تفسير . إبتدع المرجفون عشرات الأوهام حول الشيخ وزوجته . قيل إنهما عثرا علي الإكسير ، وفي رواية أخري إنهما إمتلكا كتاباً أصفر نادراً ضلت عنه أجيال وأجيال . والمخلصون من حولهما رجعوا بالأمر كله إلي برد التقوي واليقين . أنجب الرجل وزوجته مولودهما الأول في عمرهما الثاني . كان المولود جميلاً مكتحل العينين أحبه كل من رآه يناغي دنيا أبويه في المهد ، وينظر إلي الفضوليين في تعجب وبراءة . هنا بالتحديد لم يحتمل سكان الخرطوم الأمر . ثقلت الأرض بالأقاويل والأقاصيص والشائـعات ، فمادت المدينة وطـوحت إلي جـانـبها الأيمن ، فإندفق ماء نيلها وإقتحم المنازل والحوانيت .
حاول الزوجان شرح الأمر للناس لكن أين تلك اللغة التي تعبر عن جمال مهم فيه . فأكتفيا بإشارات موجزة عن الخرطوم بمدنها الثلاث في أوائل الثلاثينيات ، وذلك العالم الذي ضاع والأخر مذبذب الصورة ونهر الأغاني الذي يخرج من عباءة الليل ليصاحب نهر النيل الذي مازال يجري حتي يوم الناس هذا ! بالطبع يضحك السامعون من أقوال مثل هذه و لايزدادون إلا حيرة وبلبلة .



من مقدمة كتاب الزهرة
الطيور أمة من الأمم تتوزع أوطانها في أقاليم الأرض وتهاجر رهطاً من بعد رهط ، وهي مفطورة علي يقين ، فأرزاقها مقسومة ومعلومة ، والشجر أمة من الأمم تتوزع سلالاتها في أقاليم الأرض وقد تهاجر بذورها مع الطير ، وهي أمة مفطورة علي يقين ، فأرزاقها مقسومة معلومة تستمدها من الجو المحيط ومن خلائط أسرار الأرض .
وللشجر مواسم شعر ونثر . فالطلّ موسم شعره والمطر موسشم نثره ، والنوار عرائس في مجالس الفصول المتعاقبة .



الأسير
خرجت من مكتبي بعد تحرري من الأسر . خلعت كل شئ من المال والأهل وكتب الحروب والمعارك الكبري وطلبت السياحة في أرض الله . أقول عن حق أني وجدتُ بعد أن فقدتُ . وها أنا من بندر إلي بندر أسأل وأترقب خيول المدد بأهلها وراياتها وتكبيراتها الجهيرة .



المشهد المفقود
إكتملت الصورة في داخل السرادق ، وهاهم الشيوخ والسادات من كبار المتصوفة قد أخذوا أماكنهم علي مقاعد مصفوفة ، أبدع نظامها حس جمالي فريد ، دائرة من بعد دائرة تنتظم المقاعد ، الهدوء واللطف والأنسام من جهة ملتقي النيلين .. النفري يبتسم مرحباً ، والشيخ الجنيد وبين أصابعه مسبحة تتابع حباتها العتيقة في إيقاع منتظم ، الغوث أبو مدين يحاور الشيخ عبد الغني النابلسي ، الغوث عبد القادر الجيلاني يحادث في سرور بالغ الشيخ محمد ود عبد الصادق رجل المندره ، ويشاركهم الحديث السيد الحسن الميرغني رجل التاكا بجانب الشيخ إبراهيم الكباشي وجمع من السادة العركيين ، الشيخ حمد النيل يشير إلي واحد من الأحباب بتجديد نار المباخر . الشيخ إبراهيم الدسوقي يسوي أوضاع باقة من الورد قبالته ، الشيخ المرسي أبو العباس بجانب الإمام البوصيري ينصتان لأحاديث الشيخ عبد العزيز الدباغ وياقوت العرشي يتأمل خريطة قديمة للسودان الكبير . الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي يدقق في بعض إشارات الحسين بن منصور الحلاج ، رابعة العدوية تتوسط جمعاً لبعض شيخات من أهل السودان ، ثم العشرات من أصحاب الأذواق والمواجيد والمعارف المضنون بها علي غير أهلها أخذوا مواقعهم في خلفية المشهد الذي تهيأ تماماً .



تحت دائرة الضوء
طلب الرجل مني في إلحاح أن لا أضجر ، فالـموضوع في نـظره حيوي ، وحسب أقواله – المستفيضة من جديد – أن الجنس البشري منذ أن عرف التسوية الأولي وإستطاع الوقوف علي قدميه ساعياً لأرزاقه أو حروبه ، يسّر الله له متنفساً لهواجسه وأوهامه ووساوسه الغامضة ، وأن هذه الهوام –
فيما يقول محدثي – وبقية كل الكائنات الصغيرة التي نراها تسعي بين الحشائش أخضرها ويابسها ، أو في شقوق الأرض ، أو في أكام الزهر والورد ، في سواحل البحار وشطآن الأنهار ، كل هذه الهوام ما هي إلا تجليات لوساوس الناس ورغباتهم الغامضة . كلما تمور الصدور بأوهامها تتكاثر هذه المخلوقات علي تعدد أجناسها وفصائلها وقال الرجل دون تردد إن للتاريخ النفسي للبشرية علي مستوي خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، مقابلاً هو التاريخ الطبيعي المنشور في أجناس هذه الهوام والمخلوقات التعيسة في الهواء وعلي الأرض وفي أعماق البحار . وما يستدق منها ولا يري بالعين المجردة ، هو بمنزلة الشرك الخفي .. هناك في السويداء . وواصل الرجل قائلاً :-
إذا ما تبدي لنا بعض هذه الهوام غريباً وغير مألوف .. علينا أن ندرك أنها أوهام ووساوس أقوام آخرين من ثقافات أخري . وإننا نحن سكان هذا الجزء من العالم لا نجد صعوبة في التعرف علي هواجسنا في شكل هذه التصميمات البسيطة الواضحة لبعض هذه الكائنات .



عند نهاية الشارع الغربي
عند نهاية الشارع الغربي الضيق – وكان المساء قد حلّ تماماً رأيت ما يشبه مضارب لقبائل غير معروفة في أيامنا هذه .. لكني لا أستطيع الجزم بذلك .
رأيت خيلاً وبراري وسهولاً .. لكني لا أستطيع الجزم بذلك .
رأيت أودية ومغارات .. لكني لا أستطيع الجزم بذلك .
رأيت أنـهاراً تتعرج هدارة وتـلـتـمع صفحة مائها عند كل منعرج ، لكني لا أستطيع الجزم بذلك .. رأيت غيماً وضباباً وأقواماً منكسي الرؤوس يدخلون خـرائـب ويـخرجون من أخري .. لكني لا أستطيع الجزم بذلك .



مدينة مُبحِرة
وإنطلقت المدينة المُبحِرة تشق عباب البحر .. بين خوف ورجاء .. خرجوا وركبوا البحر في خوف من الرمل .. وهاهم في كل صباح تنعقد مجالسهم في مدينتهم المُبحِرة بحثاً عن الحقيقة .. لكن في خوف من الريح العاصف والموج الذي قد يجيء من كل مكان .



علي ظهر أسد
أن خوفي القديم من الكلاب الذي أوهن نفسي وأفسد حياتي قد تجسد لي في هذا المخلوق الذي أنا علي ظهره . إنه ليس أسداً إنما هو خوفي ، فتأملت خوفي حجماً ورائحة وملمساً وصوتاً وقوة حيوانية قديمة إنطلقت من كهف نفسي . في تلك اللحظات الفاصلة واجهت كل شيء في نفسي فتحررت وتعافيت . كان من عناية الله بي أن سَّلمني كل مخلوقات خوفي بين يدي مجتمعة في هذا المخلوق الرهيب .



قطرة ماء !
حقيقة أن الرجلين لم يلتقيا – مطلقاً – من بعد تلك الليلة المريرة ، ولم أجد في ذكريات أهل ذلك الحي ما يثبت أنهما تلاقيا ولو عرضاً ..! فتأمل رحمك الله كيف أن الأشياء تتـداعي لذكر أسمائها . قطرة ماء عذب ظلت تنحدر من صنبور نحاسي معطوب في إيقاع ثابت ، ولمدي عقد من الزمان ، نشأ مع إيقاع تقاطرها روض أحاديث عذبة ، ولما تحول الحديث إنطلاقاً من تلك القطرات إلي مياه البحر الميت بملوحته المنكرة فاضت من مجلسهما مرارات ومرارات .. أجدب من بعدها كل شيء .. نعم ، في مسميات الأشياء جوهر وجودها المؤثر .. وقد تأذنت الأقدار في ذاك المساء البعيد بنظرة من نظرات الجلال تمدد بعدها بحر من الملح علي ذاك المجلس الحميم .



صبيحة القبض علي مالك
من الجامعة الكبري تحرك العلماء في موكب مهيب ، ذهبوا إلي مالك الحزين ، طرقوا باب البيت الذي رحلت عنه الأم قبل شهور قليلة . تحدث العلماء الأجلاء إلي مالك في أسف عميق بأسم ضمير الأمة جمعاء . إعترفوا بفضله وعمق معارفه وأهمية دراساته في علم الضوء .. تلك الدراسات التي أجراها في دياجير تلك القلاع البغيضة .
أكدوا له ولأنفسهم أنه لا يتيسر لأحد منهم أن يؤسس أفكاراً مركزية في علم الضوء ما لم تتوفر له ظلمات من فوقها مثل تلك التي أطبقت عليه في السجن سنيناً . ختموا ذلك اللقاء بأن عرضوا عليه كرسي الأستاذية في علم الضوء . شكرلهم مالك كل ذلك وحاول أن يوضح لهم أن مسائل الضو هذه قد لا تكون ذات صلة بتجربته الأليمة .. وأن جوهر تجربته الحميمة أنه إستعان بإسمه تعالي النور . للأسف لم ينتبه جمع العلماء الأجلاء ذوي التـخصصات الدقيقة لتفرقة مالك بين الضوء والنور . خطر علي باله أن يسألهم عن إمكانية البحث عن صندوقه الأخضر الجميل الذي إستلبه الجند الإنكشارية قبل تسعة عشر عاماً ، لكن إنبلج في مجلسهم ذاك نور مفاجئ وإلتمعت في ذات الوقت عيون ممثلي قبائل السودان المترامي الأطراف .. غرقوا في الـنور عـرب حسينات ، هواوير ، دينكا ، بجا ، دناقلة ، مسيرية ، وطاويط وجعليون وحمران وعبابده وفور .



فاطمة الوالهة
دخل المساء وإرتحلت فاطمة الوالهة . غابت عن أعينهم تحت قطع من الليل ، وبدأت سياحتها العظيمة . أما هم فقد تعاقبت أجيالهم في ردهات الزمن ، لكن وفاء لذكري فاطمة الوالهة ، لم يبدلوا في مشاهد ذكراها إلا القليل القليل ، وكذلك تفعل النفوس . ما إن يمر بتلك الناحية سرب من الطير إلا تحدثوا مجدداً عن فاطمة ، فيهم من يتأسي وفيهم من يبتسم . كان ميراثهم منها حديقة خفية في سريرة
كل من الرجال والنساء والصبية والأطفال علي تعاقب الأجيال . أما فاطمة كانت توغل في سياحتها العظيمة بين الفدافد والواحات ، يلتقي بها جن الصحاري وصغار اللصوص وبعض العاشقين ممن أضر بهم العشق وإبتلعت أنَّاتهم صحاري ذلك الزمان . كل أولئك يقضون بين يديها طرفاً من الليل يطلبون شفاءً مما هم فيه ، منهم من يؤوب ومنهم من يتوب .


 
رسائل من وطن الكتابة
أتذكر يوم زيارتك الأولي لجامعة الصور ؟! .. أما رأيت كم هي حية كانت صورهم أولئك الذين صنعوا تاريخ الصورة في العالم ، الشعراء والمتصوفة والمعماريون والمصورون والفيزيائيون والموسيقيون والمناطقة وصغار السّحرة والعطارون والعشرات ممن تقلبوا بغير إرادة في صفات وأوضاع عديدة ، جميعهم أضَّر بهم الولاء للصنعة والنكوص عن دقيق الكلام في حينه ، كلهم بإستثناء أهل العشق الإلهي ! ..



سجناء إلي الأبد
جرار وقماقم كانت سجوناً مغلقة الفوهات بأحكام ، ظل بداخل كل منها منتفض أو ثائر لقرون وأحقاب ، وبعد أجاويد ورجاءات شملهم عفو مشروط من المؤسس الأول .. أن يطلق سراحهم شريطة أن تتبدل صورهم .. فمنهم من تزاوج ببني البشر فأنتج جنساً هجيناً هم سكان المدينة ، ومنهم من شاءت أقداره أن يحيا في صورة طائر .. أو قط ، أو ثعلب أو صورة مخلوق آخر من تلك المخلوقات التعيسة ، الكل هنا يعرف علي وجه الدقة الجرَّة أو القمقم الذي قضي فيه قروناً قبل العفو المشروط .
لقد حدثني من أثق في رجاحة عقله منهم ، أن هذه القطط وهي كثيرة كثرة الجرار ، كلها صور متحولة بعد أن شملها العفو المشروط .. وأن هذا القط الأبيض اللطيف مثلاً ناعم الشعر ، جميل الوجه ، أسود الحدقتين أو ذاك القط الأسود خشن الشعر مقوس الذيل متوتر الحركات ، القافز من نافذة الي جدار ما هما إلا من الصور المتحولة التي إمتد بها العمر .
حقائق وأغاليط جعلت لسكان هذه المدينة هوية لا ممارة فيها .. هوية هي المأساة الموغلة في ضمائرهم ، لكن الذي يصعقك في أقوالهم هذا الحب الدفَّاق وكلمات التجلة والتعلق اليائس عندما يرد ذكر المؤسس الأول قصداً ، أو عرضاً
المؤسس الأول الذي قضي ، وبدل في الصور ، ثم رحل نهائياً وبحوزته أختام الحكم والتحولات ، لقد أخبرني ذات العاقل أن هذا المواء المتصاعد من أنحاء المدينة ليلاً ونهاراً ، ماهو إلا محض إلتماسات اتصلت منذ قرون .. إلتماسات لعفو آخر يحرر الصور الحبيسة في القطط . لكن ما من مجيب فالمؤسس الأول قد رحل نهائياً .. رحل وبحوزته أختام العفو وتبديل الصور .
صحيح أن تلك الجرار والقماقم كانت السبب الأصل الذي أعاق عزمي علي الرحيل من هذه المدينة لأكثر من مرة . لقد أرجأت رحيلي وها أنا أتعلق بالحجارة والحصي ، أقضي نهاري أطوف مدققاً في الأشكال المبهمة لتآكل الطلاء علي جدران بيوتهم وقصورهم وحوانيتهم . أكـتب ما كان مكتوباً ، وأرسم أحياناً ما كان مرسوماً ، أعود بكل ذلك إلي داري ، أتأمل ، أضاهي ، أبحث عن صلة بين تلك الصور والآثار وبين ماهم فيه من حيوات متبدلة في الصور .





[rtl][/rtl]

خدورة أم بشق
مشرف منتدى الشعر
مشرف منتدى الشعر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى