ابوجبيهه

للحكاية وجهان ....؟!

اذهب الى الأسفل

للحكاية وجهان ....؟! Empty للحكاية وجهان ....؟!

مُساهمة من طرف عثمان محمد يعقوب شاويش في 1st فبراير 2011, 13:58

:: للحكاية وجهـان ::

وجهان متناقضان لحكايتي، الوجه الأول قصته عليّ أمي، منذ نعومة أظفاري حتى كبرت وأصبحت شاباً واعياً، كل يوم كانت تحكي لي نفس الحكاية، زرعتها في كل خلايا مخي، حتى اعتقدت بأنها حقيقة ثابتة، لم اعتقد أبداً بأن للحكاية وجهاً آخر اكتشفته بنفسي بعد أن فارقت والدتي الحياة، وتركتني لأواجه مصيري وحيداً، إنها حكاية زواج أمي من أبي ومجيئي إلى هذه الدنيا، والمصير الأسود الذي ينتظرني فيها. منذ أن كنت طفلاً صغيراً، تعودت أن أنام وأنا أسمع والدتي تحكي لي تلك الحكاية، أصابعها الحنونة تتخلل شعري، وتمسح على وجهي، وهي تعيد أحداث تلك الحكاية المؤلمة بالنسبة لها، أما بالنسبة لي، فقد كانت حكايتي المفضلة التي لا أريد أن أسمع غيرها في حياتي.
''قالت أمي''
كنت طفلة في السادسة عشرة من العمر مرت عائلتي بظروف صعبة، أصيب والدي بالشلل فجلس مقعداً في البيت، اضطرت أمي للعمل في خدمة البيوت كي تدبر لي ولأخوتي الصغار لقمة العيش، كنت أشعر بأن والدي يتمزق من داخله بسبب الوضع الذي أصبح عليه، فهو رجل لا يرضى بأن تنفق عليه امرأة، اضطر مع عجزه للقيام بأعمال المنزل بدلاً من أمي التي صارت تغيب عن البيت طوال النهار، وهي تعمل بتنظيف البيوت، فتعود منهكة مرهقة تسب وتلعن الساعة التي تزوجت فيها أبي، ومع كل معاناته إلا أنه لم يقبل أن أترك الدراسة وأتفرغ للعمل في البيت بدلاً منه، فكم كان يؤلمني منظره وهو يفعل المستحيل من أجل أن ينظف البيت ويطهو الطعام ويغسل الملابس، كنت أتمنى أن أفعل أي شيء كي أساعد عائلتي فتجلس أمي في البيت وتترك خدمة البيوت وتتفرغ للعناية بزوجها وأولادها، وتريح والدي المسكين من معاناته اليومية الأليمة.
عادت أمي من عملها يوماً وهي فرحة وكأنها عثرت على كنز يخلصنا من هذه المعاناة، استمعت بشغف، أنا ووالدي، أخبرتنا بأنها عثرت على عريس خليجي يريد أن يتزوج، وقد كلفها باختيار العروس، ففكرت بأن ابنتها أولى بهذه النعمة من غيرها، فتحت فمي غير مصدقة، بصراحة، لم يخطر ببالي الزواج وأنا في هذا السن، كل ما كنت أفكر فيه هو التفوق الدراسي والحصول على الشهادة، والعمل الجيد الذي يدر عليّ المال، حيث أستطيع الإنفاق على عائلتي، أخبرت أمي بذلك فقالت لي: ''يا غبية، إنه طريق طويل، نتائجه غير مضمونة، فهل سنبقى على معاناتنا طوال سنين دراستك حتى تتخرجي؟ وبالطبع فإنك عندها لن تجدي الوظيفة الجيدة بسهولة ثم بعد أن تجديها، تكونين قد وصلتي مرحلة متقدمة من العمر، عندها ستفكرين بالزواج، ولن تستطيعي مساعدتنا، لأن زوجك سيكون فقيراً مثلك ولن يرضى بأن تعطي راتبك لأهلك، فكري جيداً فهذه الفرصة لن تعوض، وهي اختصار حقيقي للزمن فعندما تتزوجي من هذا الرجل الغني، عندها يمكنك مساعدتنا، ومساعدة نفسك''.
فكرت في حديثها فوجدته معقولاً، وقد أعطيتها موافقتي على الرغم من موقف والدي السلبي من هذه القضية، إذ فضل الصمت، وقد ترقرقت عيناه بالدموع، وهو ينظر إليّ طويلاً. في اليوم التالي جاءت أمي بالعريس، وبالطبع لم يكن سوى رجل كبير في السن، تجاوز الستين من عمره، لم يصدمني ذلك الأمر، لأنني سمعت بمثل هذه الزيجات كثيراً، فلن يفكر شاب في مقتبل عمره بالزواج من فتاة من غير بلده، بدون حب أو مشاهدة، عموماً، فقد كان الأمر بالنسبة لي تجربة جديدة مدهشة تتيح لي السفر والتمتع بالهدايا والأشياء الجميلة التي حرمت منها، كما تتيح لي التحدث عن أشياء مبهرة لصديقاتي، حيث سأكون محط انتباههن وحديثهن، فلا أكون مجرد نكرة لا أعني للآخرين شيئاً.
تجربة طيبة
تزوجنا وعشنا شهر عسل حقيقياً، فعلى الرغم من تقدم زوجي في العمر إلا أنه كان يتمتع بروح الشباب، بالإضافة إلى كرمه وسخائه، عندها فكرت بأنني إنسانة محظوظة، وأنني بحاجة للرقية من العين والحسد.
بعد انتهاء أيام العسل جاء موعد السفر، شعرت بأن قلبي يعتصر بشدة، لأول مرة في حياتي سأفارق أهلي وبيتي ورفيقات الطفولة والمدرسة، نزلت دموعي سخية طوال الطريق حتى وصلت الطائرة إلى هنا، عندها بدأت أفكر فيما ينتظرني بعد هذه الرحلة. أسكنني زوجي في شقة مفروشة وطلب مني منحه الفرصة الكافية لإخبار زوجته وأولاده بأمر هذا الزواج، وتهيئة المكان لسكني معهم في الفيلا، وقد حرص على ألا أجلس لوحدي لفترات طويلة وقد سمح لي بالاتصال بمن أريد من أهلي أثناء غيابه.
بعد أسابيع قليلة أخذني لبيته وقد قام بتغيير أثاث الملحق الذي كان معداً لاستقبال الضيوف، ولا أدري كيف تقبلت عائلته خبر زواجه وما هي ردود أفعالهم نحو هذا الموضوع الخطير لأي عائلة. الغريب هو أنني بقيت في الملحق لا أرى أحداً منهم، ولديّ شعور بأن العيون تتلصص عليّ من وراء الستائر، وبعد أن شعرت بالاطمئنان بعض الشيء صرت أتلصص أنا الأخرى من وراء الستائر فأشاهد عائلته وهم يركبون سياراتهم في خروجهم ودخولهم إلى البيت، عدد كبير من الأولاد، كلهم في سن الشباب وبنات في مثل سني تقريباً. كنت أحسدهم على تواجدهم معاً لأنني شعرت بالوحدة، على الرغم من انتظام زوجي في زيارتي واهتمامه بي بشكل مستمر، وعدم تقصيره في إعطائي ما أريده، أسعدتني كثيراً محاولة إحدى الخادمات في البيت من التحدث معي، كنت بحاجة لشخص يبوح لي بما يحدث في البيت الآخر، والخدم يملكون معلومات كثيرة ينقلونها بكل سهولة إذا شعروا بالاطمئنان وبعض الإكراميات المادية البسيطة، أخبرتني الخادمة بأن الأسرة انقلبت رأساً على عقب بعد أن أخبرهم الوالد بأنه قد تزوج، الكل أصبح عصبياً متوتراً، والزوجة صارت تبكي كثيراً، وقد عزلت نفسها وصارت ترفض أن تتحدث مع زوجها أو أن يجمعهما مكان واحد، وأن الأولاد قد ضمروا الشر للمرأة التي سرقت والدهم منهم. هذا الحديث جعلني أشعر بالخوف، وصارت الكوابيس تلاحقني وأنا أتصور بأنهم سيقتلونني في أقرب فرصة مع أن زوجي نفى كل هذه الأمور، وطلب مني عدم سماع أو تصديق ما يقوله الخدم، لأنهم يهولون ويبالغون في رواية الأحداث، مع ذلك لم يذهب خوفي وبقيت مرعوبة طوال الوقت.

''الخوف المضاعف''
حملت وأنجبت طفلي الأول وأنا في حضن الوحدة والغربة والوساوس والخوف المستمر، لم يكن بيني وبين العالم الخارجي سوى التواصل مع أهلي عبر الهاتف، هذا الشيء كان يريحني للغاية، فقد حرصت على إرسال المساعدات المادية لهم، وكنت سعيدة لتحسن الأمور لديهم.
لم يفكر أحد من عائلة زوجي بالسؤال عني أو النظر إلى أخيهم الصغير الذي أنجبته، وبصراحة فقد ازدادت وساوسي وخوفي على طفلي منهم، لأنني فكرت بأنهم ربما سيقتلون طفلي انتقاماً لكرامة أمهم. عندما بلغ أبني الثالثة من العمر مرض زوجي وبقي في المستشفى، وقد ذهبت لزيارته مع طفلي، والتقيت بأولاد زوجي، ولكنهم تحاشوني وانصرفوا بمجرد رؤيتي، شعرت بالكآبة والمزيد من الخوف لأنني وجدت زوجي في وضع صحي صعب. عندما عدت من المستشفى بقيت أفكر لفترة طويلة ماذا سيحدث لو مات زوجي ؟ بالتأكيد سيقتلون ابني وسيحرمونني منه، لذلك اتخذت قراري قبل أن يقع الفأس بالرأس، قمت بأخذ المال الذي وضعه زوجي في خزانتنا، وكان مبلغاً لا بأس به، ثم أخذت مجوهراتي وملابسي وجواز سفرنا أنا وأبني ثم اتصلت بإحدى شركات الطيران وحجزت تذكرة وسافرت عائدة إلى وطني قبل أن تحدث الكارثة. كنت محقة في تصوراتي حيث توفي زوجي بعد أيام قلائل من سفري، وقد حمدت ربي لأنني نجوت بنفسي وبأبني مما قد يحدث.
''نهاية الحكاية''
هذه هي حكايتنا أنا وأمي، وقد تربى لديّ الخوف من أخوتي وأخواتي وما يمكن أن يفعلوه بي إن فكرت بالذهاب إليهم، وبالطبع فإن والدتي لم تفكر يوماً بأن تطالب بحقي وحقها في الإرث لأنها اعتقدت بأن أخوتي قد قدموا شكوى ضدها لأنها سرقت أموال والدهم التي كان يحتفظ بها في بيتها، وقد حذرتني تحذيراً شديداً من مجرد التفكير بالمطالبة بحقوقي، لأن في ذلك موتي من وجهة نظرها.
بعد مرض ومعاناة طويلة انتقلت والدتي إلى رحمة الله، وقد سبقها جدي، ولم يبق في البيت سوى جدتي وخالتي وزوجته وأولاده، أما الباقين فقد تزوجوا واستقلوا في بيوتهم، وقد كان وضعي محرجاً للغاية في بيت صغير مكتظ بالناس، خصوصاً وأنني قد أصبحت شاباً في الثامنة عشرة من عمري، لذلك قررت أن أعود لبلدي وأن أجرب حظي مع أخوتي.
بتشجيع من أخوالي وجدتي عدت لبلدي وأنا محمل بالخوف المزروع بداخلي منذ نعومة أظفاري، تخيلت بأن أخوتي وحوش بشرية ستنقض عليّ فتقطعني وتمزق جسدي بشراسة، تخيلت نفسي أعيش وحيداً منبوذاً في غرفة منعزلة كما عاشت أمي، تخيلت أن أقف عند باب بيت والدي وأنا أحمل حقيبتي ولا أحد يقبل أن يفتح الباب لي، والمارة يؤشرون نحوي باستهزاء وشماتة، تخيلت كل الأمور السيئة، ولم أتخيل أبداً ما حدث في الحقيقة.
وصلت إلى المطار ولم يكن لديّ سوى رقم هاتف منزل والدي، ليس لديّ عنوان أذهب إليه، فقررت أن أسكن في فندق بشكل مؤقت حتى اتصل بأخوتي، أخذني التاكسي إلى أرخص فندق موجود حسبما أوصيته، فكانت أجرته عالية بشكل لم أتوقعه، مشكلة كبيرة ستقف أمامي لأنني لا أحمل معي سوى مبلغ بسيط، وبحسب أجرة هذا الفندق فإنني أستطيع السكن لثلاث ليال فقط دون أن يبقى لديّ شيء من المال للأكل والتنقل، لأنني اكتشفت بأن أجرة التاكسي عالية جداً هي الأخرى ما جعل حيرتي وخوفي وقلقي تدور من حولي وتغلفني بغلاف قاتم رهيب.
كان الوقت مساءً، جلست في غرفتي بالفندق وأخرجت رقم الهاتف الذي معي وأدرت القرص وأنا أرتجف، رد عليّ رجل، سألته عن الاسم فأعتقد بأني من المعاكسين، وقبل أن يغلق السماعة بوجهي قلت له: أنا أخوك فلان جئت لتوي من المطار، وأنا أسكن في الفندق الفلاني، أرجوك تعال إليّ لأنني لا أملك المال الكافي، وأنني جائع وحزين، استمع إليّ وصمت لفترة غير قصيرة ثم قال لي: سآتي إليك إن شاء الله.
''الوجه الآخر للحكاية''
أغلقت السماعة وأنا أشعر ببعض الاطمئنان نزلت إلى مدخل الفندق وجلست بانتظاره، مر الوقت طويلاً وقد تأخر في المجيء، ربما لن يأتي، هكذا فكرت، وقد اتخذت قراري بالعودة إلى بلد أمي، وسأعمل بأي مهنة لأعيل نفسي هناك وأنا معزز مكرم وسط الناس الذين يحبونني، وقد ندمت على مجيئي ندماً شديداً. كنت غارقاً وسط أوهامي حتى شعرت بيد تمتد نحوي، قفزت من مكاني فوجدت مجموعة كبيرة من الرجال، شخصيات وأعمار متعددة، الكل يسلم عليّ بحرارة وكأنهم يعرفونني منذ زمن طويل، يسألون عن أخباري وأموري، ويعتبون عليّ لأنني لم اتصل بهم من قبل، كنت حائراً لا أعرف ما ينبغي أن أقول، ولكني أخبرتهم بوفاة والدتي وأنه لم يبق لي أحد أتحمل مسؤوليته بعدها.
طلبوا مني إحضار حقيبتي من الغرفة لأنهم حجزوا لي في فندق لائق، وقد دفعوا أجر الغرفة والطعام لشهر كامل، حتى يروا ما يمكنهم أن يفعلوه معي.
بعد أن تركوني في تلك الغرفة الفخمة في ذلك الفندق الكبير، وجدت بأنه ولأول مرة في حياتي يتولد لديّ شعور بالاطمئنان والعزة، تمنيت ألا أكون في حلم، وقد جاءني وسواس ليخبرني بأن ما يفعله أخوتي ربما لتغطية استيلائهم على إرثي، وأنهم سيعتذرون لي بعد مدة من إكرامي وضيافتي، وسيعطونني مبلغاً ثم يطلبون مني العودة للعيش في بلد أمي، ليتخلصوا من وجودي في حياتهم. في الأيام التالية، ازدحم جدولي بالزيارات والولائم التي أقيمت للترحيب بي، في بيوت أخوتي وأخواتي، والكل كان يرحب بي بحفاوة كبيرة، ويسأل عن أحوالي طوال تلك السنين الماضية. كنت بانتظار النهاية، وأنا مقتنع بأنها ستكون كما رسمت لي الوساوس، مبلغ من المال وحجز العودة لبلد أمي، ولكن ذلك لم يحدث.
في أحد الأيام مرّ عليّ أخي الأكبر وأخذني للمحكمة. هناك قال لي ستأخذ إرثك بالكامل، فنحن قوم نخاف ربنا ولا نريد أكل أموال اليتيم، خذ حقوقك وتصرف بها على راحتك، فإن أردت النصيحة والمشورة فنحن مستعدون لها، وإن أردت التصرف بنفسك وعلى هواك فأنت حر. فقلت له: في الحقيقة أنا مندهش من موقفكم معي، فعندما وصلت إلى المطار كنت أشعر بأنني ضائع ووحيد، وكنت أتمنى أن أجد أحداً يشعرني بالأمان، حتى أني فكرت أن لا أبادر بالمطالبة بأرثي، وإنما سأطلب فقط محبتكم واهتمامكم، وقد غمرتموني بكل ذلك قبل أن أطلبه فأي أناس أنتم ؟ كم أنا سعيد لأن لي أخوة أمثالكم فالكلمة الطيبة التي تخرج من قلوبكم هي كل ما كنت أتمنى، فقد عشت سنين عمري وأنا محمل بالخوف منكم ومن موقفكم معي، أنتم أخوتي، وأعظم كسبي في هذه الدنيا، أما المال فأمره ليس جوهرياً بالنسبة لي لأنه سيذهب ويفنى، أما هذه العلاقة الطيبة فهي الكنز الحقيقي الذي أعتز فيه. لم يمنع هذا الكلام الذي قلته لأخي من أن يسلمني كافة حقوقي، ويساعدني في شراء بيت خاص بي وتأثيثه، ثم ساعدني أخي الثاني بفتح بعض المشاريع التجارية الناجحة، وقد تكفلت شقيقتي الكبرى باختيار الزوجة المناسبة لي.
هكذا أحب أن أشكر أخوتي عبر روايتي لهذه الحكاية، أردت أن أقول لهم ببساطة: يا أخوتي الأعزاء، كم أنا ممتن لكم.
عثمان محمد يعقوب شاويش
عثمان محمد يعقوب شاويش
مشرف منتدى شخصيات من ابى جبيهه
مشرف منتدى شخصيات من ابى جبيهه


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

للحكاية وجهان ....؟! Empty رد: للحكاية وجهان ....؟!

مُساهمة من طرف غريق كمبال في 1st فبراير 2011, 18:16

شكرا يا شاويش 000دائما متالق
غريق كمبال
غريق كمبال
مشرف المنتدى الاقتصادى
مشرف المنتدى الاقتصادى


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى