ابوجبيهه

بس دقيقة بس دقيقة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

بس دقيقة بس دقيقة

مُساهمة من طرف يس محمد يس في 10th سبتمبر 2011, 13:23

بَسْ دقيقة

بقلم محمد عبد الوهاب جسري



كنت أقف في دوري على شباك التذاكر لأشتري بطاقة سفر في الحافلة إلى مدينة تبعد حوالي 330 كم، وكانت أمامي سيدة ستينية قد وصلت إلى شباك التذاكر وطال حديثها مع الموظفة التي قالت لها في النهاية: الناس ينتظرون، أرجوكِ تنحّي جانباً. فابتعدت المرأة خطوة واحدة لتفسح لي المجال، وقبل أن أشتري بطاقتي سألت الموظفة عن المشكلة، فقالت لي بأن هذه المرأة معها ثمن بطاقة السفر وليس معها يورو واحد قيمة بطاقة دخول المحطة، وتريد أن تنتظر الحافلة خارج المحطة وهذا ممنوع. قلتُ لها: هذا يورو وأعطها البطاقة. وتراجعتُ قليلاً وأعطيتُ السيدة مجالاً لتعود إلى دورها بعد أن نادتها الموظفة مجدداً.

اشترت السيدة بطاقتها ووقفت جانباً وكأنها تنتظرني، فتوقعت أنها تريد أن تشكرني، إلا أنها لم تفعل، بل انتظرتْ لتطمئن إلى أنني اشتريت بطاقتي وسأتوجه إلى ساحة الانطلاق، فقالت لي بصيغة الأمر: احمل هذه... وأشارت إلى حقيبتها.

كان الأمر غريباً جداً بالنسبة لهؤلاء الناس الذين يتعاملون بلباقة ليس لها مثيل. بدون تفكير حملت لها حقيبتها واتجهنا سوية إلى الحافلة، ومن الطبيعي أن يكون مقعدي بجانبها لأنها كانت قبلي تماماً في الدور.

حاولت أن أجلس من جهة النافذة لأستمتع بمنظر تساقط الثلج الذي بدأ منذ ساعة وأقسم بأن يمحو جميع ألوان الطبيعة معلناً بصمته الشديد: أنا الذي آتي لكم بالخير وأنا من يحق له السيادة الآن! لكن السيدة منعتني و جلستْ هي من جهة النافذة دون أن تنطق بحرف، فرحتُ أنظر أمامي ولا أعيرها اهتماماً، إلى أن التفتتْ إلي تنظر في وجهي وتحدق فيه، وطالت التفاتتها دون أن تنطق ببنت شفة وأنا أنظر أمامي، حتى إنني بدأت أتضايق من نظراتها التي لا أراها لكنني أشعر بها، فالتفتُ إليها.

عندها تبسمتْ قائلة: كنت أختبر مدى صبرك وتحملك.

- صبري على ماذا؟

- على قلة ذوقي. أعرفُ تماماً بماذا كنتَ تفكر.

- لا أظنك تعرفين، وليس مهماً أن تعرفي.

- حسناً، سأقول لك لاحقاً، لكن بالي مشغول كيف سأرد لك الدين.

- الأمر لا يستحق، لا تشغلي بالك.

- عندي حاجة سأبيعها الآن وسأرد لك اليورو، فهل تشتريها أم أعرضها على غيرك؟

- هل تريدين أن أشتريها قبل أن أعرف ما هي؟

- إنها حكمة. أعطني يورو واحداً لأعطيك الحكمة.

- وهل ستعيدين لي اليورو إن لم تعجبني الحكمة؟

- لا، فالكلام بعد أن تسمعه لا أستطيع استرجاعه، ثم إن اليورو الواحد يلزمني لأنني أريد أن أرد به دَيني.

أخرجتُ اليورو من جيبي ووضعته في يديها وأنا أنظر إلى تضاريس وجهها. لا زالت عيناها جميلتين تلمعان كبريق عيني شابة في مقتبل العمر، وأنفها الدقيق مع عينيها يخبرون عن ذكاء ثعلبي. مظهرها يدل على أنها سيدة متعلمة، لكنني لن أسألها عن شيء، أنا على يقين أنها ستحدثني عن نفسها فرحلتنا لا زالت في بدايتها.

أغلقت أصابعها على هذه القطعة النقدية التي فرحت بها كما يفرح الأطفال عندما نعطيهم بعض النقود وقالت: أنا الآن متقاعدة، كنت أعمل مدرّسة لمادة الفلسفة، جئت من مدينتي لأرافق إحدى صديقاتي إلى المطار. أنفقتُ كل ما كان معي وتركتُ ما يكفي لأعود إلى بيتي، إلا أن سائق التكسي أحرجني وأخذ مني يورو واحد زيادة، فقلت في نفسي سأنتظر الحافلة خارج المحطة، ولم أكن أدري أنه ممنوع. أحببتُ أن أشكرك بطريقة أخرى بعدما رأيت شهامتك، حيث دفعت عني دون أن أطلب منك. الموضوع ليس مادياً. ستقول لي بأن المبلغ بسيط، سأقول لك أنت سارعت بفعل الخير ودونما تفكير.

قاطعتُ المرأة مبتسماً: أتوقع بأنك ستحكي لي قصة حياتك، لكن أين البضاعة التي اشتريتُها منكِ؟ أين الحكمة؟

- "بَسْ دقيقة".

- سأنتظر دقيقة.

- لا، لا، لا تنتظر.. "بَسْ دقيقة"... هذه هي الحكمة.

- ما فهمت شيئاً.

- لعلك تعتقد أنك تعرضتَ لعملية احتيال؟

- ربما.

- سأشرح لك: "بس دقيقة"، لا تنسَ هذه الكلمة.

في كل أمر تريد أن تتخذ فيه قراراً، عندما تفكر به وعندما تصل إلى لحظة اتخاذ القرار أعطِ نفسك دقيقة إضافية، ستين ثانية.

هل تعلم كم من المعلومات يستطيع دماغك أن يعالج خلال ستين ثانية؟ في هذه الدقيقة التي ستمنحها لنفسك قبل إصدار قرارك قد تتغير أمور كثيرة، ولكن بشرط.

- وما هو الشرط؟

- أن تتجرد عن نفسك، وتُفرغ في دماغك وفي قلبك جميع القيم الإنسانية والمثل الأخلاقية دفعة واحدة، وتعالجها معالجة موضوعية ودون تحيز،

فمثلاً: إن كنت قد قررت بأنك صاحب حق وأن الآخر قد ظلمك فخلال هذه الدقيقة وعندما تتجرد عن نفسك ربما تكتشف بأن الطرف الآخر لديه حق أيضاً، أو جزء منه،وعندها قد تغير قرارك تجاهه.

إن كنت نويت أن تعاقب شخصاً ما فإنك خلال هذه الدقيقة بإمكانك أن تجد له عذراً فتخفف عنه العقوبة أو تمتنع عن معاقبته وتسامحه نهائياً.

دقيقة واحدة بإمكانها أن تجعلك تعدل عن اتخاذ خطوة مصيرية في حياتك لطالما اعتقدت أنها هي الخطوة السليمة، في حين أنها قد تكون كارثية.

دقيقة واحدة ربما تجعلك أكثر تمسكاً بإنسانيتك وأكثر بعداً عن هواك.

دقيقة واحدة قد تغير مجرى حياتك وحياة غيرك، وإن كنت من المسؤولين فإنها قد تغير مجرى حياة قوم بأكملهم...

هل تعلم أن كل ما شرحته لك عن الدقيقة الواحدة لم يستغرق أكثر من دقيقة واحدة؟

- صحيح، وأنا قبلتُ برحابة صدر هذه الصفقة وحلال عليكِ اليورو.

- تفضل، أنا الآن أردُّ لك الدين وأعيد لك ما دفعته عني عند شباك التذاكر. والآن أشكرك كل الشكر على ما فعلته لأجلي.

أعطتني اليورو. تبسمتُ في وجهها واستغرقت ابتسامتي أكثر من دقيقة،

لأنتهبه إلى نفسي وهي تأخذ رأسي بيدها وتقبل جبيني قائلة : هل تعلم أنه كان بالإمكان أن أنتظر ساعات دون حل لمشكلتي،

فالآخرون لم يكونوا ليدروا ما هي مشكلتي،

وأنا ما كنتُ لأستطيع أن أطلب واحد يورو من أحد..

- حسناً، وماذا ستبيعيني لو أعطيتك مئة يورو؟

- سأعتبره مهراً وسأقبل بك زوجاً.

علتْ ضحكتُنا في الحافلة وأنا أُمثـِّلُ بأنني أريد النهوض ومغادرة مقعدي وهي تمسك بيدي قائلة: اجلس، فزوجي متمسك بي وليس له مزاج أن يموت قريباً!

وأنا أقول لها: "بس دقيقة"، "بس دقيقة"...

لم أتوقع بأن الزمن سيمضي بسرعة. كانت هذه الرحلة من أكثر رحلاتي سعادة، حتى إنني شعرت بنوع من الحزن عندما غادرتْ الحافلة عندما وصلنا إلى مدينتها في منتصف الطريق تقريباً.

قبل ربع ساعة من وصولها حاولتْ أن تتصل من جوالها بابنها كي يأتي إلى المحطة ليأخذها، ثم التفتتْ إليّ قائلة : على ما يبدو أنه ليس عندي رصيد.

فأعطيتها جوالي لتتصل.

المفاجأة أنني بعد مغادرتها للحافلة بربع ساعة تقريباً استلمتُ رسالتين على الجوال، الأولى تفيد بأن هناك من دفع لي رصيداً بمبلغ يزيد عن 10 يورو، والثانية منها تقول فيها : كان عندي رصيد في هاتفي لكنني احتلتُ عليك لأعرف رقم هاتفك فأجزيكَ على حسن فعلتك.

إن شئت احتفظ برقمي، وإن زرت مدينتي فاعلم بأن لك فيها أمّاً ستستقبلك.

فرددتُ عليها برسالة قلت فيها: عندما نظرتُ إلى عينيك خطر ببالي أنها عيون ثعلبية لكنني لم أتجرأ أن أقولها لك، أتمنى أن تجمعنا الأيام ثانية، أشكركِ على الحكمة واعلمي بأنني سأبيعها بمبلغ أكبر بكثير.

"بس دقيقة"...

حكمة أعرضها للبيع، فمن يشتريها مني في زمن نهدر فيه الكثير الكثير من الساعات دون فائدة؟




يس محمد يس
نشط مميز
نشط مميز


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بس دقيقة بس دقيقة

مُساهمة من طرف عثمان محمد يعقوب شاويش في 10th سبتمبر 2011, 13:48


تسلم أخي يس بالجد قصة رائعة ومشوقة ... ولك التحية ،،،

عثمان محمد يعقوب شاويش
مشرف منتدى شخصيات من ابى جبيهه
مشرف منتدى شخصيات من ابى جبيهه


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بس دقيقة بس دقيقة

مُساهمة من طرف محمد قادم نوية في 10th سبتمبر 2011, 14:20

شكــــــــــراً ياخال يس.. قصة تحمل في سطورها حكمة عظيمة
هي دعوة للتعقل والتفكر في مآلات الكلام والمواقف. فرب كلمةٍ يقولها المرء لا يلقي لها بالاً فتهوي به فيما لا تحمد عقباه.
توقف "بس دقيقة" قبل أن تعطي حكمك أو قرارك أو حتى ثرثرتك، فالكلمة إذا خرجت لن تستطيع الإمساك بها إلا إذا استطعت الإمساك بالشمس

محمد قادم نوية
مشرف منتدى الصوتيات
مشرف منتدى الصوتيات


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بس دقيقة بس دقيقة

مُساهمة من طرف يس محمد يس في 10th سبتمبر 2011, 14:56

شكراً شاويش على المرور وتحياتي لساكن المدينة إذا زرتها.
محمد نوية كيف لقيت السعودية بعد الإجازة وشكراً على مرورك .

يس محمد يس
نشط مميز
نشط مميز


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بس دقيقة بس دقيقة

مُساهمة من طرف اقبال عبداللطيف في 10th سبتمبر 2011, 19:53

بس دقيقة قصة لن يصاب سوقها بالكساد ...تزرع طيب تحصد طيب..
شكرا استاذ يس ..


لا اعرف شيئا تواطأ الناس على هضمه وزهدوا في انصافه مثل الحقيقة

اقبال عبداللطيف
مشرف ركن الاسرة
مشرف ركن  الاسرة


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بس دقيقة بس دقيقة

مُساهمة من طرف الفاتح محمد التوم في 10th سبتمبر 2011, 22:31

أكيد أخي يس
دقيقة بتفرق كتير جداً ...... مرات بتقلب طعم الحلو ... الى مر
تشكر للحكمة والموعظة الحسنة... تسلم

الفاتح محمد التوم
مشرف المنتدى السياسى
مشرف المنتدى السياسى


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بس دقيقة بس دقيقة

مُساهمة من طرف Suhad Abduelgfaar في 11th سبتمبر 2011, 11:53

بس دقيقه ممكن توقف اطلاق النار فى بلادنا
بس دقيقه ممكن تحرر غزه من ايادى اليهود
بس دقيقه ممكن ....وممكن......و...
بس دقيقه ندعو بها لك اخى يس والى شعبى الحبيب
ان يصلح حالنا الى احسن حال ويستجاب لنا فيها الدعاء.
بطلب من الجميع ان نقف مع انفسنا (بس دقيقه) ونبدا يومنا.
تسلم اخى يس على الحكمه.


Suhad Abduelgfaar
مشرف حكاوي المهجر
مشرف حكاوي المهجر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بس دقيقة بس دقيقة

مُساهمة من طرف يس محمد يس في 13th سبتمبر 2011, 12:55

شكراً سهاد دعائك دقيقة ربما يصلح حالي وحالك وحال السودان ... يلا نبدأ الدعاء وأنا معك ... ولكن أختي سهاد ما عارف فعالية الدعاء في بلد الخواجات البعيدة ديك لأن ود عشمان طلب من الناس في السودان أن يدعو لوالده بالشفاء .

يس محمد يس
نشط مميز
نشط مميز


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بس دقيقة بس دقيقة

مُساهمة من طرف Suhad Abduelgfaar في 14th سبتمبر 2011, 09:46

ربنا يقبل دعواتنا اخى يس
ويصلح حالنا ويجمعنا بيكم سالمين غانمين.
(علا بينى وبينك بلد الخواجات دى الله تعلم يستجاب منها الدعاء )عشان كده كترو لينا معاكم وما تنسونا من الدعوات .
تحياتى


Suhad Abduelgfaar
مشرف حكاوي المهجر
مشرف حكاوي المهجر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بس دقيقة بس دقيقة

مُساهمة من طرف يس محمد يس في 15th سبتمبر 2011, 09:07

اللهم استجب دعاءها من بلاد الخواجات وأغفر لها ولوالديها وأرحم والدها ... أطلب من الجميع الدعاء لنا من بلاد الحرمين والسودان لأن الدعاء من بلاد الخواجات ما معروف بقطع البحر ولا لا ... بعدين عاوز رأيك في دعاء البوست ودعاء الإيميل و SMS هل بمشن الحال

يس محمد يس
نشط مميز
نشط مميز


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بس دقيقة بس دقيقة

مُساهمة من طرف صباح حسن عبد الرحيم في 15th سبتمبر 2011, 10:41

تشكر اخي يس علي القصة الرائعة
لك الف تحية .....
يا سهاد يا اختي ضحكتيني
زكرتيني بدعاء بلاد الخواجات
عندي صديقة تسكن معانا هنا ورزقت مولودة
فقلت لابوها مبروك البنوتة تربي في عزكم وتكون من الصالحات
فضحك وقال لي مازحا
معقول تكون من الصالحات وهي مولودة هنا هههههههههههههههههههههها
تحياتي

صباح حسن عبد الرحيم
مبدع مميز
مبدع مميز


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: بس دقيقة بس دقيقة

مُساهمة من طرف غريق كمبال في 18th سبتمبر 2011, 14:22

شكرا يس على الحكمه

دعوه جاده للتعقل قبل الاقدام على اتخاز القرار

غريق كمبال
مشرف المنتدى الاقتصادى
مشرف المنتدى الاقتصادى


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى